|
أعلن الشيخ سيف الدين الحسامي عن انشقاقه عن "جبهة العمل
الإسلامي"، وتشكيله وقرابة 160 عنصراً "هيئة طوارىء"، وذلك
"بسبب انكشاف الموقف الحقيقي لقيادة الجبهة من قضية المقاومة،
وتعمّدها توريط الشباب المسلم في أعمال ذات صبغة عسكرية
وأمنية". وقد نفت الجبهة انتساب الحسامي إليها أو إلى حركة
التوحيد، قبل أن تعود وتعترف بأنه ينتمي إلى حركة التوحيد وعلى
علاقة بالشيخ هاشم منقارة. وفي 15 آذار أي بعد أسبوع واحد
سيطرت مجموعة أخرى على مركز طبي، في محلة مُحرّم، تابع لـ"حركة
التوحيد الإسلامي" بدعوى أن مسؤول منطقة محرّم ومجموعته قد
انشقوا عن الجبهة وانضموا إلى "هيئة الطوارىء". وفي 25 آذار
قامت مجموعة أخرى بقيادة حسين مراد بالإنشقاق عن "جبهة العمل
الاسلامي"، خلال لقاء جمعهم في منزل مراد في منطقة البداوي.
وفي 26 آذار أعلنت مجموعة رابعة بقيادة الشيخ خضر عواد، في
منطقة القبة هذه المرة، انضمامها إلى هيئة الطوارئ واصفة
الجبهة بأنها "لم تكن أكثر من واجهة لتجميع الشباب لصالح حزب
الله في الشارع السنّي"، وثمة معلومات من الشمال تنذر بالمزيد
من الانسحابات والانشقاقات، وأن قيادة "الجبهة" تحمّل هاشم
منقارة مسؤولية هذا الواقع، فيما ترد مصادر أخرى الأمر إلى
تفرّد الدكتور فتحي يكن بالقرار وإهماله للشورى، وأن "حزب
الله" ساخط على هذا المستوى من الأداء الذي سبّب له إحراجاً
كبيراً، وأنه قد طلب من قيادة الجبهة القيام بما يتوجب عليها
لضبط الوضع.
النتائج العكسية
في قراءة لمآلات مشروع "حزب الله" لاختراق الساحة السنية
من خلال الإسلاميين تبدو النتائج معاكسة لما أراده الحزب بصورة
مذهلة:
1 ـ لقد كان الهدف الأساس لـ "حزب الله" وما يزالـ من دعمه
"المفرط" لـ"حلفائه"، "استنبات" و"تسمين" قوى ذات وزن تمثيلي
مقبول في أوساط الإسلاميين وفي عموم السنة، الأمر الذي لم يحصل
حتى في ذروة صعود القوى والأطر التي يدعمها الحزب، وما تحقق
كان عكس ذلك تماماً، إذ شعرت "الجماعة الإسلامية"، القوة
الأساس وسط الإسلاميين السنة، أنها مستهدفة بهذا المشروع، وأن
استخدام المال السياسي في "ساحتها"، ولا سيما من خلال الدكتور
فتحي يكن، ليس بالأمر الذي يُسكت عليه، الأمر الذي انعكس
تدهوراً غير مسبوق في العلاقة مع "حزب الله"، وسخطاً كبيراً من
قبل مناصريها ومؤيديها على "حزب الله"، و"توتر" في النظرة إلى
الحزب حتى في أوساط الإسلاميين الساخطين على "تيار المستقل"
و"الجماعة الإسلامية" و"14 آذار".
2 ـ بالرغم من أن إغداق "المال النظيف" القصد منه دعم
المرتبطين بـ"حزب الله" شعبياً، من خلال تمويل حركتهم السياسية
والتنظيمية، ومؤسساتهم الاجتماعية سواء تلك التابعة لحركة
التوحيد، أو التي انبثقت عن "جبهة العمل الإسلامي" كمؤسسة
الريادة، أو وسائلهم الإعلامية الجديدة كجريدة الثبات، وقبلها
"نون والقلم"، فإن هذا الأمر على وجه التحديد قد أدى إلى ظهور
قوى وأطر سنية مناوئة، لم تكن معروفة من قبل، وهي تستكمل
حالياً تأطير نفسها، وثمة اجتماعات وتنسيق يجمع بينها بعيداً
عن الأضواء، من شبعا في أقصى الجنوب إلى الضنية في أقصى
الشمال.
3 ـ أدى سعي "حزب الله" للترويج إلى مفهومه الخاص لـ"مشروع
المقاومة"، وتسليحه وتدريبه لبعض العناصر التي لا يتناسب
تاريخها ولا حاضرها مع هذا المشروع، إلى انحدار كبير في النظرة
إلى المقاومة، لدرجة ألجأت البعض، بدافع السخط، إلى رفض مشروع
المقاومة من أساسه، أو على الأقل التشكيك بدوافعه.
4 ـ على عكس ما يعلنه "حزب الله" ويسعى إليه من تجنب الاقتتال
بين السنة والشيعة فقد أدت "الاعترافات المتلفزة"، وبدون تحقيق
أو ضغط، إلى نتيجة مفادها أن الحزب "يدفع المال ويسلّح الشباب
ويدربهم في النبي شيت في البقاع وفي إيران"، ليستعمل هذه
المجموعات كوسيلة ضغط داخلية و"فرض الأمر الواقع في الشوارع
والأحياء"، كما جاء على لسان مجموعة خضر عواد المنشقة عن
الجبهة، الأمر الذي يعتبر فضيحة حقيقية، لا سيما عندما يقول
المنشقون إن المدربين في معسكرات "حزب الله" قالوا لهم: "نحن
نحمي الجنوب من العدو الإسرائيلي، وأنتم عليكم حماية الداخل
اللبناني بقتال عملاء اليهود في الشمال".
5 ـ بفعل هذا الجو، بات شعار "الوحدة الإسلامية" الذي رفعه
العديد من الإسلاميين السنة والشيعة، وعملوا من أجله بإخلاص،
مجرد كلام فارغ المضمون، وقد انقلب عليه بعض الذين حملوه،
وأسهم الأداء الداخلي لـ"حزب الله" بشكل كبير في هذا السقوط،
الأمر الذي وضع في مهب الريح جهود سنوات طويلة من عمل "تجمع
العلماء المسلمين"، الذي انطلق لهذه الغاية على وجه التحديد،
وقد انتهى حاله إلى أنه تجمّع في خدمة إيران و"حزب الله".
6 ـ بطبيعة الحال، فقد استتبع سقوط "مشروع الاختراق"، إلى سقوط
"محزن" لأدواته في الشارع السني، لا سيما "أصحاب التاريخ"
منهم، بعدما باتوا موضع رفض وتشكيك من "إخوانهم" و"أبنائهم"
ومحيطهم. وعلى عكس ما كان يخطط "حزب الله"، فقد ظهر هؤلاء مجرد
"أدوات"، يتقاضون المال جراء تأييدهم له، وإن كانت الحقيقة
أنهم ليسوا كذلك كلهم، لكن النتيجة باتت واحدة، إذ حتى عندما
تبرر "جبهة العمل الإسلامي" الانشقاقات بوجود جهات تدفع المال
من أجل ذلك، فإنها تعترف ضمناً أنها تضم المئات ممن انتسبوا
إلى الحركات التي تتشكل منها الجبهة لأجل المال، وأن هذه
العناصر مستعدة للتحوّل إذا وجدت مصلحة مالية، هذا على فرض صحة
هذا التبريرـ فكيف تريد الجبهة من الناس أن يأتمنوها بعد ذلك،
أو أن يأمنوا جانبها وسلاحها!!.
إن أي قراءة موضوعية من قبل "حزب الله" تفضي إلى أن حجم
"الاستثمار" الكبير في الشارع السني قد خدم الآخرين... أولئك
الذين يعتبرهم "حزب الله" أدوات للمشروع الأميركي، بدل أن يكون
"الاستثمار" لصالح الحزب، وأن أية زيادة في هذا "الاستثمار"
ستعني زيادة في الخسارة، لكنها ستعني أيضاً زيادة في المخاطر
المحدقة بالبلد واستقراره!.
|