الرئيسيةجبهة العملنشاطات الجبهةفي الإعلاممواقع صديقةالإنتساب للجبهةإتصل بنا

 
 
 
 

 

 

 

عشرون عاماً على اتفاق الطائف: بين التطبيق الكامل والتعديل! أين تحقيق العدالة الشاملة والإنماء المتوازن والهيئة العليا لإلغاء الطائفية ومجلس الشيوخ وعودة المهجرين؟

 

عشرون سنة على اتفاق الطائف. ماذا فعلت أيدي اللبنانيين وغير اللبنانيين طيلة عقدين من زمن ما بعد ميثاق وفاقهم الوطني الذي كرس سلما أهليا منتقصا، وأنهى في المقابل، حربا أهلية دامت خمسة عشر عاما وأدت إلى مآس لم يسلم منها بيت لبناني واحد، بالموت أو الجراح أو الإعاقات أو التهجير أو الهجرة.

عشرون سنة على اتفاق الطائف. ربما هي فترة كافية، بالنسبة للاعبين داخليين أو خارجيين، لاختبار الصيغة ومدى ملاءمتها للتوازنات الداخلية والخارجية، وربما تكون غير كافية بالنسبة للبعض الآخر، محليا وخارجيا، والأسباب متعددة، منها أن ما شهدنا تنفيذه خلال عقدين من الزمن، ليس تطبيقا أمينا للطائف، بل أنه منقوص لدرجة أنه يكاد يكون نقيضه.

من يحسم الجدل؟ هل ما نفذ هو الطائف بأصله وفصله أو بنسخته السورية ـ السعودية ـ الأميركية المعدلة في العام 2005، لنصبح أمام نسخة تكاد تكون نقيضة للنسخة السورية التي صنفت بعد ذلك وما تزال تصنف من البعض بـ«وصاية سورية»؟


هل يمكن ترميم الطائف أو وضعه على مسالك ودروب جديدة؟ هل يملك هذا الاتفاق من الآليات ما يضمن تعديله وتطويره من دون ممرات إلزامية مأساوية كتلك التي شهدناها قبل ولادته ومن دون اللجوء الى الخارج؟ هل نحن بحاجة دائمة الى ضابط إيقاع خارجي للتوازنات الداخلية في غياب المرجعية الحكم لبنانيا؟

يطرح الطائف أسئلة وهواجس كثيرة، تحاول «السفير» الإطلالة على جزء منها، من موقع إعلامي وسياسي، يتوق لسلم أهلي أكثر متانة، بما يفتح الباب أمام مقاربات لمسائل تضمنتها صيغة الوفاق الوطني وكل الصيغ السابقة، وخاصة ما يتصل بإلغاء الطائفية السياسية وتشكيل مجلس الشيوخ وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنماء الشامل وقضايا اللامركزية الإدارية وغيرها من العناصر التي تجمع ولا تفرق بين لبناني وآخر.


في الحلقة الأولى، تعرض «السفير» للدراسة التي أعدتها «الشركة الدولية للمعلومات»، وتنشرها بالتزامن في مجلة «الشهرية» الصادرة عنها، وستتضمن الأعداد المقبلة لـ«السفير» مقابلات وتحقيقات ودراسات لمناسبة مرور عشرين عاما على ولادة اتفاق الطائف: ما طبق منه وما استبعد لأغراض، وما طبق مجتزأ ومبتورا فأدى الى تثبيت ما كان يفترض أن يتغير لندخل الى أفق... الوحدة الوطنية المنشودة.

عشرون عاماً انقضت على إقرار وثيقة الوفاق الوطني اللبناني التي اتفق عليها النواب اللبنانيون في اجتماعاتهم في مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية وقد أتت لتعلن نهاية الحرب اللبنانية وتؤسس لقيام الجمهورية الثانية على أنقاض الجمهورية الأولى التي قامت على أساس الميثاق الوطني الاستقلالي.
الكتابة اليوم، وبعد مرور 20 عاماً على الاتفاقية، عن ظروف وحيثيات تلك المرحلة محلياً وإقليمياً والتي أملت تلك الاتفاقية أمر لا يدخل ضمن بحثنا الحالي بل هو بحث مخصص لتقييمها لجهة ما تحقق وما لم يتحقق، ولبحث توازن السلطات الثلاث في ضوء الصلاحيات التي حدَّدتها الاتفاقية لكل سلطة وهل أدت حقاً إلى تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية وتعزيز صلاحيات الرئاستين الثانية والثالثة؟

لمحة تاريخية
إزاء تفاقم الأوضاع العسكرية وحالة الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل وعدم انتخاب خلفٍ له وتعيين قائد الجيش حينها العماد ميشال عون رئيساً لحكومة عسكرية، وانقسام هذه الحكومة واستقالة وزرائها المسلمين وعدم الاعتراف بها في الجانب المسلم، عمدت لجنة المتابعة العربية التي انبثقت عن مؤتمر القمة العربي إلى دعوة النواب اللبنانيين من خلال الموفد العربي الأخضر الإبراهيمي إلى التوجه إلى مدينة الطائف للاتفاق على تسوية تُنهي الحرب اللبنانية.

 
رفض العماد ميشال عون ذهاب النواب إلى الطائف لكن هذا لم يمنع 63 نائباً (من أصل 76 نائباً هم النواب الأحياء حينها من 99 نائباً هم عدد أعضاء مجلس النواب) من التوجه في 29 أيلول 1989 إلى هناك، وبعد جلسات عديدة توصل المجتمعون إلى إقرار صيغة الاتفاق وذلك يوم 22 تشرين الأول 1989. فأصدر رئيس الحكومة العماد ميشال عون يوم 4 تشرين الثاني 1989 مرسوم حل مجلس النواب.


ولكن قرار عون لم يمنع مجلس النواب من الاجتماع في 5 تشرين الثاني 1989 في مطار القليعات في شمال لبنان لإقرار وثيقة الطائف التي نالت موافقة 58 نائباً وتحفَّظ عليها 3 نواب، وجرى بعد ذلك انتخاب رينيه معوض رئيساً للجمهورية، أما الإصلاحات التي نص عليها اتفاق الطائف فتم اعتماد بعضها بصورة دستورية من خلال إقرار القانون الدستوري في 21ـ9ـ1990 بحيث أصبحت جزءاً من الدستور.

المبادئ العامة
نتيجة التعديلات الدستورية التي حصلت في 21ـ9ـ1990 بموجب اتفاقية الطائف أضيفت مقدمة الى الدستور اللبناني ابرز ما تضمنته هو في الفقرة ب التي حسمت نقاشاً طويلاً وقديماً حول هوية لبنان فأكدت ان «لبنان عربي الهوية والانتماء وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم قوانينها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الامم المتحدة وملتزم قوانينها....».
كما أكدت الفقرة ط على «رفض التجزئة والتقسيم والتوطين» وكذلك أكدت الفقرة ح على «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية».
 

صلاحيات رئيس الجمهورية
طرأت تعديلات كثيرة على صلاحيات رئيس الجمهورية فقلّصتها لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعاً ورئيس مجلس الوزراء الذي أصبح شريكاً أساسياً في الحكم، وتوقيعه أساسي في جميع المراسيم، ما خلا مرسوم تسميته رئيساً للحكومة أو استقالته أو اعتبار الحكومة مستقيلة، كما حُرم الرئيس من حق حلّ مجلس النواب وقيِّد بمهلٍ زمنية لنشر وتوقيع القوانين والمراسيم كما كان الأمر قبل الطائف في حين لا توجد مثل هذه القيود على سائر الرؤساء وحتى الوزراء.

ويبيِّن الجدول رقم 1 المقارنة بين صلاحيات رئيس الجمهورية قبل وبعد الطائف. (انظر الجدول رقم 1).
 

صلاحيات رئيس مجلس النواب
التعديل الأساسي الذي حصل هو جعل ولاية الرئيس 4 سنوات بدلاً من سنة واحدة وهذا ما عزَّز موقعه.
ونصت صلاحية رئيس المجلس قبل الطائف على ما يلي:
«في كل مرة يحدد المجلس انتخابه وعند افتتاح عقد تشرين الأول يجتمع المجلس برئاسة أكبر أعضائه سناً ويقوم العضوان الأصغر سناً بينهم بوظيفة أمين ويعمد إلى تعيين الرئيس ونائب الرئيس».... (المادة 44 من الدستور)
 

ونصت بعد الطائف على الآتي:
«في كل مرة يحدد المجلس انتخابه يجتمع برئاسة أكبر أعضائه سناً ويقوم العضوان الأصغر سناً بينهم بوظيفة أمين ويعمد إلى انتخاب الرئيس ونائب الرئيس لمدة ولاية المجلس»
 

صلاحيات رئيس الحكومة
أصبح رئيس الحكومة شريكاً أساسياً في الحكم واختياره لهذا المنصب لم يعد نتيجة إرادة ومشيئة رئيس الجمهورية بل بعد اختياره من النواب وهذا ما أعطاه قوة، وتوقيعه أساسي في كل المراسيم ما خلا تسميته أو استقالته.
 

ونصت صلاحية رئيس الحكومة قبل الطائف على الآتي:
«يتولى الوزراء إدارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين، كلٌّ بما يتعلق بالأمور العائدة إلى إدارته وبما خص به» (المادة 64 من الدستور)

وبعد الطائف أصبحت كالآتي:
يمارس رئيس مجلس الوزراء الصلاحيات الآتية:
ـ يرأس مجلس الوزراء ويكون حُكماً نائباً لرئيس المجلس الأعلى للدفاع
ـ يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقِّع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها
ـ يوقِّع مع رئيس الجمهورية جميع المراسيم ما عدا مرسوم تسميته رئيساً للحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة
ـ يدعو مجلس الوزراء إلى الانعقاد ويضع جدول أعماله ويُطلع رئيس الجمهورية مسبقاً على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستُبحث
ـ يتابع أعمال الإدارات والمؤسسات العامة ويُنسّق بين مجلس الوزراء ويعطي التوجيهات العامة لضمان حسن سير العمل

تحقق: 4 مسائل شكلية
«إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي تأميناً لمشاركة ممثلي مختلف القطاعات في صياغة السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة وذلك عن طريق تقديم المشورة والاقتراحات» (وقد صدر القانون رقم 389 تاريخ 12ـ1ـ1995 بإنشاء هذا المجلس وتم تعيين أعضائه بموجب المرسوم رقم 2012 تاريخ 30 كانون الأول 1999) ولكن لم يتمكن المجلس من القيام بأي دور على الصعيد المحدَّد له، كما أنه معطل حالياً إذ انتهت ولاية أعضائه ولم يتم تعيين خلفٍ لهم.
«إلغاء ذكر الطائفة والمذهب في بطاقة الهوية». وقد بدأ العمل بإلغاء ذكر الطائفة مع إصدار بطاقات الهوية الجديدة الذي بدأ في عام 1997.
«تدعيماً لاستقلال القضاء: يُنتخب عدد معين من أعضاء مجلس القضاء الأعلى من قبل الجسم القضائي». تأخّر تحقيق هذا الأمر حتى تشرين الأول من عام 2002 عندما تم انتخاب عضوين في مجلس القضاء الأعلى من قبل القضاة.



«سن قانون خاص بأصول المحاكمات أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء». فقد نص الدستور في مادته 80 على إنشاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء من سبعة نواب ومن ثمانية قضاة على أن يصدر قانون خاص تُعيَّن بموجبه أصول المحاكمات التي يجري عليها هذا المجلس وبالرغم من اعتماد نص هذه المادة منذ عام 1927 فإنّ قانون المحاكمة لم يصدر إلا في عام 1990 مع صدور القانون رقم 13 تاريخ 18ـ8ـ1990.
لم يتحقق: 7 مسائل أساسية
«العمل على تحقيق عدالة اجتماعية شاملة من خلال الإصلاح المالي والاقتصادي والاجتماعي». فالمالية العامة تعاني خللاً وعجزاً والفقر يصيب أكثرية اللبنانيين.

«على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف (إلغاء الطائفية السياسية) وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصياتٍ سياسيةٍ وفكريةٍ واجتماعية، مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية». وبالرغم من انتخاب أول مجلس على أساس المناصفة في عام 1992 فإنّ تشكيل الهيئة لم يحصل حتى اليوم ولا تزال الطائفية تسيطر على كافة مفاصل الحياة في لبنان.

إلغاء قاعدة التمثيل الطائفية.... باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفي ما يعادل الفئة الأولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفةً بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة. لا تزال الطائفية هي الأساس في التعيينات والوظائف الحكومية بما فيها الوظائف من الفئات الخامسة والرابعة والثالثة والثانية، وفي الفئة الأولى لا تزال الوظائف مخصصة لطوائف معينة، مثلاً قائد الجيش، حاكم المصرف المركزي، رئيس مجلس القضاء الأعلى، مدير عام المالية، مدير عام وزارة التربية، رئيس التفتيش المركزي للطائفة المارونية، رئيس المجلس الأعلى للجمارك، مدير عام الإعلام، رئيس مجلس الجنوب، مدير عام التعليم المهني والتقني، المدعي العام المالي، رئيس المحكمة العسكرية، مدير عام الشؤون الاجتماعية، مدير عام الأمن العام للطائفة الشيعية، رئيس مجلس الإنماء والإعمار، المدير العام لقوى الأمن الداخلي، مدير عام العدلية، مدعي عام التمييز، الأمين العام للخارجية للطائفة السنية. والأخطر من ذلك أنه تم تكريس وزارات لطوائف معينة، المالية للسنة، الخارجية للشيعة الخ...

«الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً». ولا يزال هذا الموضوع شعاراً غير ملموس على أرض الواقع.
«إصلاح التعليم الرسمي والمهني والتقني وتعزيزه وتطويره وإصلاح الجامعة اللبنانية»... منذ انتهاء الحرب وإقرار الطائف والتعليم الرسمي في تراجعٍ مستمر وكذلك حالة الجامعة اللبنانية التي تعاني الفوضى وكثرة الأساتذة الفائضين وقلة الموازنة وتراجع المستوى وكثرة الطلاب في فروع الآداب والإنسانيات التي تصيب البطالة أكثرية متخرجيها.

«التمسك باتفاقية الهدنة الموقَّعة في 23 آذار 1949». إنّ تبني الحكومات اللبنانية المتعاقبة في بياناتها الوزارية دعم المقاومة لمواجهة إسرائيل، يعني عدم تطبيق اتفاقية الهدنة، التي تنتهكها إسرائيل أيضاً من خلال الاجتياحات المتكررة للأراضي اللبنانية واعتداءاتها المستمرة على لبنان وكان آخرها حرب تموز 2006.
«مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يُستحدَث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية». وموعد انتخاب مجلس النواب على أساس وطني غير محدَّد وبالتالي فإنّ موعد ولادة مجلس الشيوخ غير محدَّد.

تحقق خلافاً للنص: 8 مسائل أساسية
«يزاد عدد أعضاء مجلس النواب إلى 108 مناصفة بين المسيحيين والمسلمين». قبل اتفاق الطائف كان عدد النواب 99 نائباً موزعين: 54 نائباً مسيحياً و45 نائباً مسلماً. وقد أصبح العدد 128 نائباً أي بزيادة 20 نائباً عن العدد الذي نص عليه الطائف.

«إنشاء مجلس دستوري لتفسير الدستور ومراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية». تم إنشاء هذا المجلس بموجب القانون رقم 250 تاريخ 14ـ7ـ1993 ولكنه حرم من حقه في تفسير الدستور.
«يعاد تنظيم مخابرات القوات المسلحة لخدمة الأغراض العسكرية دون سواها». لكن مخابرات الجيش حالياً تهتم بالكثير من القضايا والمواضيع كما كان الأمر في السابق.
«الإعلان عن حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية خلال ستة أشهر تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني وانتخاب رئيس الجمهورية...» تم الإعلان عن حل الميليشيات اللبنانية وتسليم جزء من أسلحتها إلى الدولة لكنها احتفظت بالقسم الأكبر منها كما لم تتم معالجة موضوع المنظمات الفلسطينية وتسليم أسلحتها إلى الدولة ولا يزال السلاح موجوداً داخل المخيمات الفلسطينية.

«يجري توحيد وإعداد القوات المسلحة وتدريبها لتكون قادرةً على تحمل مسؤولياتها الوطنية في مواجهة العدوان الإسرائيلي». وقد تم توحيد الجيش وتدريبه لكنه لا يزال غير قادر على مواجهة إسرائيل لعدم توفر التجهيزات وهناك من يتبنى مقولة «قوة لبنان في ضعفه» وعدم قدرة الجيش على مواجهة إسرائيل في مطلق الأحوال.
«حل مشكلة المهجرين اللبنانيين جذرياً وإقرار حق كل مهجر لبناني منذ العام 1975 بالعودة إلى المكان الذي هجر منه ووضع التشريعات التي تكفل هذا الحق وتأمين الوسائل الكفيلة بإعادة التعمير». بعد مرور نحو 20 عاماً على انتهاء الحرب وإقرار وثيقة الطائف لا تزال هناك قرى مدمرة ومهجرون لم يعودوا (كبريح في الشوف وكفر متى في عاليه)، كما تم إقرار تعويضات هائلة لأناس من غير المهجرين نظراً لولائهم السياسي كما أنّ معظم المهجرين وبالرغم من تقاضيهم تعويضات ملائمة لم يعودوا حتى اليوم إلى أماكن تهجيرهم، ويُقدَّر الإنفاق على موضوع المهجرين بنحو 2.5 ملياري دولار حتى اليوم والمهجرون العائدون قلة لا تزيد عن ربع المهجرين.
«إعادة تنظيم جميع وسائل الإعلام في ظل القانون وفي إطار الحرية المسؤولة»... تم إقرار قانون لتنظيم الإعلام لكنه كان قانوناً لتوزيع الرخص الإعلامية التلفزيونية والإذاعية على الأحزاب والطوائف.


«لا تجوز إعادة انتخابه (رئيس الجمهورية) إلا بعد ست سنوات لانتهاء ولايته... كما أنه لا يجوز انتخاب القضاة وموظفي الفئة الأولى وما يعادلها في جميع الإدارات العامة والمؤسسات العامة وسائر الأشخاص المعنويين في القانون العام، مدة قيامهم بوظيفتهم وخلال السنتين اللتين تليان تاريخ استقالتهم وانقطاعهم فعلياً عن وظيفتهم أو تاريخ إحالتهم على التقاعد». هذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 49 من الدستور المتعلِّقة بانتخاب رئيس الجمهورية ومنذ إقرار اتفاقية الطائف تم خرق هذه المادة فحصل تمديد لولاية أول رئيس بعد الطائف الياس الهراوي لمدة 3 سنوات، وعدِّل النص وانتُخب قائد الجيش إميل لحود رئيساً للجمهورية من دون استقالة وتم تمديد ولايته كما انتُخب الرئيس ميشال سليمان من دون تعديل النص.


قانون الانتخابات النيابية: تفسيرات مختلفة
استحوذ قانون الانتخابات النيابية على نقاشات مستفيضة أثناء إعداد اتفاق الطائف لا سيما نظام الاقتراع هل يكون أكثرياً أو نسبياً وحجم الدائرة، هل يكون لبنان دائرة واحدة، أم تُعتمد المحافظة، أم القضاء والدائرة الفردية. وقد نص اتفاق الطائف في باب الإصلاحات السياسية على أن «الدائرة الانتخابية هي المحافظة».


ونص في البند المتعلِّق بقانون الانتخابات النيابية على: «تجري الانتخابات النيابية وفقاً لقانون انتخاب جديد على أساس المحافظة، يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمِّن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وأجياله وفعالية ذلك التمثيل بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات». وفي حين يؤكد الرئيس حسين الحسيني أحد أركان الطائف أنّ المحافظة التي نص عليها الطائف هي المحافظات الخمس الأساسية أي بيروت، لبنان الشمالي، جبل لبنان، البقاع ولبنان الجنوبي (من دون محافظة النبطية التي هي محافظة إدارية برأيه) والتقسيم الإداري الجديد المنصوص عنه هو لإنشاء محافظاتٍ جديدة إدارياً وليس انتخابياً في حين يؤكد بعض النواب الذين شاركوا في الطائف أنّ المحافظة كدائرةٍ انتخابية والتي نص عليها الطائف هي محافظات جديدة تكون أصغر من المحافظات الحالية وأكبر من القضاء وتم الحديث عن محافظات ـ دوائر انتخابية تعدادها ما بين 12-15 دائرة ومن هنا تمت الإشارة إلى التقسيم الإداري في البند المخصص لقانون الانتخابات للتأكيد على الترابط بين الأمرين.

ومنذ إقرار اتفاقية الطائف وإجراء الانتخابات النيابية في الأعوام 1992-1996-2000-2005 و2009 تم اعتماد قوانين انتخابية مختلفة ففي انتخابات عام 1992 كانت المحافظة هي الدائرة الانتخابية في جميع المحافظات ما عدا محافظة جبل لبنان حيث اعتُمد القضاء وفي عام 2009 اعتُمد القضاء دائرة انتخابية كما كان الأمر بموجب قانون 1960 بعد إعادة توزيع الأحياء في بيروت على الدوائر الثلاث.



مـواد وبنـود مبهمـة بحاجـة إلى حَكَـم أو إلـى تفـسير

في اتفاق الطائف الذي أصبح دستوراً هناك العديد من المواد والبنود المبهمة التي تحتاج إما إلى تعديلٍ أو تفسيرٍ وإما إلى حَكَم دائم كما كانت سورية في السابق لحل، الخلافات، وهناك مواد نص عليها الدستور قبل الطائف وأدخل الطائف عليها تعديلاً لم يُزل عنها الإبهام، ومن هذه المواد والبنود ما يأتي:


- تنص المادة 58 من الدستور قبل تعديلها على «كل مشروع تقرر الحكومة كونه مستعجلاً بموافقة مجلس الوزراء مشيرا إلى ذلك بمرسوم الإحالة يمكن لرئيس الجمهورية بعد مضي أربعين يوماً من طرحه على المجلس (مجلس النواب) دون أن يبت به أن يصدر مرسوماً قاضياً بتنفيذه بعد موافقة مجلس الوزراء». وتم تعديل هذه المادة بإضافة العبارة الآتية بعد عبارة طرحه على المجلس «وبعد إدراجه في جدول أعمال جلسة عامة وتلاوته فيها ومضي هذه المهلة». فالمشكلة تكمن هنا في متى يبدأ سريان فترة الأربعين يوماً فإذا امتنع رئيس مجلس النواب عن إدراجه على جدول الأعمال لا تسري هذه المهلة وبالتالي يمكن لرئيس مجلس النواب إعاقة عمل الحكومة وعدم إدراج مشاريع القوانين التي ترد منها أو بعضها على جدول الأعمال وعدم إقرارها ولا يمكن لرئيس الجمهورية والحكومة جعل هذه القوانين نافذة لأنّ مهلة الأربعين يوماً لم يبدأ سريانها.


تضمَّن البند السادس من المادة 64 من الدستور الآتي: «يدعو (رئيس مجلس الوزراء) مجلس الوزراء إلى الانعقاد ويضع جدول أعماله. ويطلع رئيس الجمهورية مسبقاً على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستُبحث». فهل المقصود هنا أخذ موافقة رئيس الجمهورية على جدول الأعمال، وفي حال معارضته يمكن له حذف ما يعترض عليه، أم أنّ الأمر هو فقط لأخذ العلم ولا يحق له الاعتراض؟ وعلى هذا الأمر حصل انقسام في الآراء بين مَنْ يعتبر أنّ الأمر وإعداد جدول الأعمال مرهونان بموافقة رئيس الجمهورية، وبين مَنْ يعتبر أنّ موافقته غير ضرورية ويمكنه في حال اعتراضه أن يحضر ويترأس جلسة مجلس الوزراء التي ستُعرض عليها الأمور التي يعارضها وقيادة الوزراء إلى جانبه في معارضة ما يعارضه.


عشرون عاماً على إقرار اتفاق الطائف لم تسمح بتطبيق بعض البنود الأساسية فيه وما طُبّق بخاصة في موضوع صلاحيات رئيس الجمهورية يطالب البعض خصوصاً من المسيحيين بإعادة النظر فيه، في حين يتمسَّك المسلمون السنة بما تحقَّق لأنّ صلاحيات رئيس الجمهورية لم تُنقل إلى رئيس الوزراء بل إلى مجلس الوزراء مجتمعاً وهو يضم كل الطوائف. وهنا يُطرح سؤال إذا غابت إحدى الطوائف عن مجلس الوزراء هل يبقى المجلس قائماً وشرعياً ويحق له أن يمارس كل الصلاحيات التي أعطيت له أم يجب اعتباره مستقيلاً حتى وإن كان يضم أكثرية الثلثين من عدد الوزراء المحدَّد في تشكيل الحكومة؟ وبالتالي ما هو الوصف الذي يمكن أن يُطلق على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة السابقة بعد استقالة الوزراء الشيعة منها؟


اتفاقية الطائف ما طُبِّق وما لم يُطبَّق وما تعدَّل من صلاحيات في ضوئها وما يمكن أن يُعدَّل مستقبلاً سيبقى محوراً من محاور النقاش الأساسية لا سيما في المحطات المهمة لكن الأرجح أنّ ما كُتِب قد كُتِب والتعديل صعب وربما مستحيل. والخلاصة أن ما تحقق لا يتعدى 4 مسائل شكلية وما لم يتحقق هو 7 مسائل أساسية ولقد تمت مخالفة نص الطائف في 8 مسائل أساسية. ولقد عزز الطائف صلاحيات رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وأضعف رئيس الجمهورية.


لقد جاء اتفاق الدوحة ليؤكد عزم زعماء لبنان على عدم تطبيق الطائف، مخالفين بذلك الدستور. فالعودة إلى قانون انتخابات 1960 شكلت، ليس مخالفة دستورية فقط، بل إصراراً على عدم أخذ الدروس من الماضي والاستعداد الدائم للدخول في الأزمات والحروب الأهلية. وأصبح الكلام اليوم عن الطائف كلاماً بالرموز فالإصرار عليه يعني عملياً الإصرار على قوة الزعيم السني وعدم إعطاء الزعماء الشيعة حصة أكبر وكذلك الزعماء الموارنة، دون الأخذ بالإجراءات الأخرى.


والمطالبة بتطبيق الطائف هي عملياً طلب استرداد لصلاحيات رئيس الجمهورية وكذلك إعطاء حصة أكبر لزعماء الشيعة دون تطبيق للإجراءات الأخرى. وقد جاءت الانتخابات النيابية في العام 2009 لتؤكد أن الكلام عن بناء الدولة هو كلام بكلام فكل طائفة انتخبت زعيمها وكل زعيم اقتطع لذاته منطقة جغرافية ومناطق نفوز في القطاعين الخاص والعام. هذا التنافس بين الزعماء على النفوذ السياسي والاقتصادي مرتبط حكماً وأحياناً عضوياً بمصالح وقوى خارجية.
من هنا يأتي القول إن الطائف قد انتهى ولعله انتهى قبل أن يبدأ.
 

 

 


الطائف وسورية

كان لسورية دور أساسي في إقرار اتفاق الطائف بالصيغة التي أُقر بها إذ كانت تتمتع بحضورٍ عسكري واسع وبنفوذٍ سياسي قوي لدى الأحزاب وزعماء الطوائف الإسلامية. وقد تضمّن الطائف بنوداً تتعلق بالوجود العسكري السوري في لبنان وبالعلاقات بين البلدين لكن هذه البنود لم تُطبَّق لأنّ سورية لم تكن راغبة بذلك وأتى النص المتعلق بالوجود السوري مبهماً ما أتاح لسورية عدم الالتزام به. فقد نص البند المتعلق بالوجود السوري على ما يأتي:


«وحيث إنّ هدف الدولة اللبنانية هو بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية المتمثلة بالدرجة الأولى بقوى الأمن الداخلي، ومن واقع العلاقات الأخوية التي تربط سوريا بلبنان، تقوم القوات السورية مشكورة بمساعدة قوات الشرعية اللبنانية لبسط سلطة الدولة اللبنانية في فترة زمنية محددة أقصاها سنتان تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني وانتخاب رئيس الجمهورية، وتشكيل حكومة الوفاق الوطني، وإقرار الإصلاحات السياسية بصورة دستورية، وفي نهاية هذه الفترة تقرر الحكومتان، الحكومة السورية وحكومة الوفاق الوطني اللبنانية إعادة تمركز القوات السورية في منطقة البقاع ومدخل البقاع الغربي في ضهر البيدر حتى خط حمانا المديرج عين داره، وإذا دعت الضرورة، في نقاط أخرى يتم تحديدها بواسطة لجنة عسكرية لبنانية ـ سورية مشتركة. كما يتم الاتفاق بين الحكومتين يجري بموجبه تحديد حجم ومدة تواجد القوات السورية في المناطق المذكورة أعلاه، وتحديد علاقة هذه القوات مع سلطات الدولة اللبنانية في أماكن تواجدها، واللجنة الثلاثية العربية العليا مستعدة لمساعدة الدولتين في الوصول إلى هذا الاتفاق إذا رغبا في ذلك».


وقد اعتبرت سورية أنّ فترة السنتين تبدأ بعد إقرار الإصلاحات السياسية بصورة دستورية وبرأيها أنه تم إقرار بعض هذه الإصلاحات ولم يتم إقرارها كلها وبالتالي لا تبدأ فترة السنتين، في حين أنّ إقرار بعض هذه الإصلاحات حصل في أيلول من عام 1990 وكان يُفترض بسورية أن تنفذ ما نص عليه الطائف وتنسحب ابتداءً من أيلول من عام 1992 وهذا لم يحصل بل استمر بقاؤها في لبنان حتى انسحابها في نيسان 2005 نتيجة الضغوط الدولية ومقتل الرئيس رفيق الحريري.
 

 

 

السفير

26-10-2009

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لـ "جبهة العمل الإسلامي- هيئة الطوارئ" -  لبنان ، طرابلس ©