ماتت الدولة.. فعاش السلاح

صدق دولة الرئيس نبيه بري في كل ما قاله. ولكن هل قال كل الحقيقة؟

قال دولته مخاطبا مؤتمرا طبيا إن الدولة التي كانت تحكمنا سقطت. صحيح. بل صحيح جدا. وانطلاقا من ذلك تنادي حركة 14 آذار بالعبور إلى الدولة.

ولكن الرئيس بري لم يقل كيف سقطت الدولة ومن أسقطها. لماذا يا ترى. هل لأنه شارك بإسقاطها يوم أقفل المجلس النيابي لأكثر من عام تضامنا مع من سعى لإسقاط العدالة بمقاطعة الحكومة منذ سعت إلى إقامة المحكمة الدولية؟

 

الدولة سقطت. نعم وألف نعم. ولكن الرئيس بري لم يقل إنها سقطت عندما فشلت في إرسال جيشها إلى الجنوب بعدما انسحبت إسرائيل منه في أيار العام 2000.

 

الدولة سقطت. نعم ومليون نعم. ولكن الرئيس بري لم يقل إن الدولة سقطت يوم هاجمت ميليشيا مسلحة الشعب اللبناني في أيار العام 2008، ولم تهب الدولة لحماية شعبها الأعزل الذي قتل منه 56 ضحية مدنية غير مسلحة في بيروت فقط.

معه حق الرئيس بري. كلنا نعترف أن الدولة سقطت لأنها ليست بمستوى "دولة" إمارة دبي التي كشفت قتلة المبحوح فيما لم تستطع دولتنا أن توقف قتلة الزيادين، ولم تستطع أن توقف قاتل الرائد حنا، ولم تستطع أن توقف قتلة جنود الجيش اللبناني الأربعة وضابطهم في البقاع مع أنهم يقيمون "على عينك يا تاجر" في بعلبك، ولم تستطع أن توقف مرتكب جريمة زحلة مع أنه معروف، ومعروف مقر إقامته.
 
ولم تستطع أن تحل لغز اغتيال سياسي واحد منذ اغتيال رئيس بلدية صيدا معروف سعد قبل إندلاع الحرب الأهلية... وحتى الآن. لا أدري عن الغد، ولكن المؤشرات ما زالت غير مشجعة في ضوء ما يثار عن فضائح مستودع أدوية السرطان المزورة وعدم القدرة على ضبطه كاملا.

معه حق الرئيس بري، الدولة سقطت لأنها لم تحقق في مسألة جوازات السفر المزيفة التي استخدمت لضرب استقرار مصر، كما حققت بريطانيا في مسألة جوازاتها التي استخدمت لقتل مبحوح حماس
 
معه حق فعلا الرئيس بري تلك الدولة سقطت لأنها تنازلت عن السيادة، وما زالت تتنازل عنها. ففي العام 1969 منحتها للسلاح الفلسطيني غير الشرعي بموجب إتفاق القاهرة، ثم منحت الدولة سيادتها لقوات الردع العربية التي لم تجدّد مهمتها وبقي منها فقط الجيش السوري في لبنان حتى نيسان العام 2005 بموجب صيغة "الشرعي والمؤقت" التي كان الرئيس بري أحد منظريها.

 

ومعه حق فعلا الرئيس بري، الدولة ما زالت متنازلة عن السيادة لحملة السلاح في سجد، والضاحية، وقضاء جزين، وجنوبي الليطاني، والبقاع، إضافة إلى زارعي المتفجرات في بعل محسن.

 

أصاب الرئيس بري أيضا في الإعراب عن الأمل في التوصل إلى "وطن نتشارك فيه ونتساوى". رائعة ومبدئية جدا قصة المساواة هذه. ولكن هل يستطيع أن يقول لنا الرئيس بري كيف يمكن أن يتساوى اللبنانيون العزل مع مسلحين؟

ما لم أفهمه من كلام الرئيس بري هو ما قاله عن تلك المسماة "مقاومة".
 
قال: "إن المقاومة تساعد ... على استمرار استخدام الأراضي والمياه واستخراج النفط المؤكد من مياهنا".
طيب كيف؟
 
يعني يمكن إستخدام صواريخ رعد وزلزال وما شابه لحفر آبار النفط والغاز في مياه البحر؟ أو يمكن استخدام قاذفات الصواريخ لمد شبكة أنابيب من أسطواناتها بعد تفكيكها؟

يبدو أن قطاع النفط الموجود في مياهنا، وما زال بحاجة لمن يكمل استكشافه ويستخرجه، هو القطاع الاقتصادي الوحيد الذي لا يهدده، حتى الآن، السلاح.
 
أم هل يقترح الرئيس بري أن تشمل رعاية هذا السلاح حقول نفطنا كما تضمن هذه الرعاية، وفي لحظة إيرانية صافية لا علاقة لنا بها، تدمير مطار بن غوريون ومصانع إسرائيل ومدنها لقاء تدمير إسرائيل مدن لبنان وضواحيه ومطار رفيق الحريري؟

 

السلاح، وفق التجربة التي مررنا بها منذ احتلال قوات الثورة الفلسطينية سرايا بنت جبيل في العام 1969 وحتى الآن، لم يضمن يا دولة الرئيس سوى الدمار.

حتما لا يوجد لبناني واحد يريد لفضائل الدمار المسلح أن تلحّف آبار نفطنا، حتى قبل حفرها. لا نريد قتل "الحلم" النفطي اللبناني يا دولة الرئيس، كي لا ينتهي إلى مجرد أوبريت تغنى من على أخشاب المسارح كما أوبريت الحلم العربي.

 

أما الطائفية السياسية التي يريد الرئيس بري التفكير بوسائل إلغائها، فهناك من يعتقد بأن الوباء الذي أصابها ليس منها، بل من السلاح الذي أثقل كواهل الطوائف.

 

كلما تسلّحت طائفة، تحت أي عنوان كان، يسقط النظام. ليس لأنه طوائفي، بل لأن أحد أطراف العقد الاجتماعي قرر أن يُخضع غيره بالسلاح.

 

السلاح، يا دولة الرئيس، ما عاد زينة لا للرجال ولا للنساء أيضا. أثبتت التجارب الكثيرة التي خاضها الشعب اللبناني المعذب بأن آلامه بدأت مع السلاح... تستمر مع السلاح، ولا تنتهي إلا بانتهاء السلاح غير النظامي.  

 

الدولة ماتت فعلا... كي يعيش السلاح ويعشش على طاولة حوار بدأت الشكوك تحوم حول مصيرها... ومسارها.

 

الدولة انتحرت يا دولة الرئيس بري يوم اعتدى حرس سلطتها التشريعية على الآمنين في رأس النبع، والبسطا، والنويري، وعائشة بكار والصنائع. لن نذكر شارع فردان ومنطقة عين التينة، فهما ضمن الأمن الاستراتيجي لمقر رئيس المجلس النيابي، تماما كما كان لبنان ضمن الأمن الاستراتيجي للنظام السوري حتى 26 نيسان العام 2005


إذا كان حرس المشرعّين يعتدي، فعن أي دولة يتحدث دولة الرئيس بري؟ فالدولة الميتة لا سلطة تشريعية لها، ولا تنفيذية ولا قضائية، ولا مؤسسات، لا مدنية ولا عسكرية.

 

تذكرني هذه الدولة الميتة بما يتعلمه كل ضباط الجيش في الكليات الحربية، وما يتعلمه بعض المحامين في كليات الحقوق.

يذكر أن الإمبراطورية الرومانية كانت تمنع جيشها (النظامي) العائد منتصرا من المعركة من دخول روما. كان الجيش يعسكر قرب نهر يفصل روما عما بعدها، ويأتي أحد المشرعين الرومان (سيناتور) في عربة تجرها الجياد ليصطحب قائد الجيش للقاء القيصر كي يقلده وسام النصر.
 
وفي الطريق لملاقاة القيصر، كان السيناتور يردد على مسامع قائد الجيش المنتصر العبارة التالية: تذكر أنك ما انتصرت إلا لأن روما شرّعت لك القوانين.

 

أيها اللبنانيون تيقنوا أن الدولة ماتت يوم انتصر السلاح على الشرائع.

 

موقع 14 آذار
19-2-2010