|
المفتي قباني وجه
رسالة في ذكرى المولد النبوي الشريف : المناصفة بين المسلمين
والمسيحيين هي ضمانة وحدة لبنان ليبقى مثالا
وجه مفتي الجمهورية
اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني رسالة بمناسبة ذكرى المولد
النبوي الشريف هنا نصها:
"الحمد
لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، والصلاة
والسلام على من أرسله الله شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى
الله بإذنه وسراجا منيرا، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله
وأصحابه، ومن عمل بشريعته واهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما
بعد: أيها الإخوة والأحبة: فإن المعدن النفيس يبقى نفيسا ..
والأرض الطيبة تنبت نباتا طيبا .. والشجرة الطيبة تؤتي ثمارا
طيبة .. والإناء الطيب ينضح طيبا .. والأصل الكريم ينبت فرعا
كريما .. تلك هي سنة الله تعالى في خلقه، وقانونه في كونه..
ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا، وكذلك
كانت ولادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مثل هذا اليوم،
من أبوين كريمين شريفين، يعود نسبهما إلى نبي الله إسماعيل
عليه السلام.
وكما تطلع الشمس بأنوارها على الأرض، فينفجر ينبوع الضوء
المسمى بالنهار .. كذلك يولد النبي فينفجر ينبوع النور المسمى
بالدين. وكما جعل الله في آدم عليه السلام سر وجود الإنسانية
على الأرض .. كذلك جعل الله محمدا صلى الله عليه وسلم سر
كمالها. ومن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم أرسل
الله أنبياءه ورسله مبشرين ومنذرين، حتى ختمهم بمحمد صلى الله
تعالى عليه وسلم، وأنزل عليه آخر كتبه ورسالاته القرآن الكريم،
فأتم به النعمة وأكمل به الدين، وقد جاء هذا المعنى في قوله
تعالى في القرآن الكريم: "اليوم أكملت لكم دينكم*وأتممت عليكم
نعمتي*ورضيت لكم الإسلام دينا
".
ولقد سمى الله تعالى الدين عنده بالإسلام وهو الدين الواحد
الذي أرسل الله به جميع أنبيائه ورسله، وهو المعني بقول الله
تعالى في القرآن الكريم: "إن الدين عند الله الإسلام"، وهو
يعني إسلام العقل والنفس والقلب والذات إلى خالقها الذي يأمرها
وينهاها، وبه أرسل الرسل والأنبياء إليها، ومعهم الكتب
والرسالات بهذا الدين وهو الإسلام، وما الإسلام في جملته إلا
هذا المبدأ الأساسي، ألا وهو مبدأ إسلام الذات نفسها طائعة
مختارة لله ولدين الله، وقد كان النبيون والمرسلون في طليعة من
أسلموا أنفسهم وذواتهم لله، ففي إسلام أنبياء بني إسرائيل قال
الله تعالى في القرآن الكريم: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى
ونور*يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون
والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء"، وفي
إسلام الحواريين تلاميذ المسيح عليه السلام قال الله تعالى في
القرآن الكريم: "فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى
الله*قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا
مسلمون".
إن الذي يدرس كلام النبي محمد صلى الله عليه وسلم أيها الإخوة،
يدرك السر الذي جرى على يديه في التاريخ المجدب فأخصبه، وأنبت
به للدنيا نباتا حسنا، فكان هديه صلى الله عليه وسلم في قيمته
في رقيه وسموه وعلوه كأنه يقول: إني أصنع أمة سيكون لها تاريخ
الأرض بعد، وإن ههنا الصحراء التي ستلد الدنيا المتحضرة. ذلك
أن القرآن والسنة النبوية أيها السادة، يعملان في حياة الناس
بنور متمم لما يعمله نور الشمس والقمر في حياتهم، وفي ذلك يقول
الله تعالى في القرآن الكريم: "قد جاءكم من الله نور وكتاب
مبين*يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام*ويخرجهم من
الظلمات إلى النور بإذنه*ويهديهم إلى صراط مستقيم".
وبهذا النور والكتاب المبين، بعث الله تعالى نبيه ورسوله محمدا
صلى الله عليه وسلم، فقال له في القرآن الكريم: "يا أيها النبي
إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا*وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا
منيرا". ذلكم هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي اختاره
الله لأعظم رسالة ختم بها رسالات الأنبياء والمرسلين، إنه يحمل
آخر كلمة وآخر رسالة من الله إلى الناس في جميع الأرض وللناس
أجمعين، إنها الرسالة الخاتمة، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين،
فليس بعده نبي ولا رسول، وليس وراءه بشير ولا نذير.
والقرآن الكريم أيها السادة، لم يطلب إلى الناس أكثر من أن
يفكروا ويستخدموا عقولهم لكي يؤمنوا ويكونوا على الخط
المستقيم، وفي ذلك يقول الله تعالى في القرآن الكريم: "قل إنما
أعظكم بواحدة*أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا". إن
القرآن الكريم يدعو الناس إلى استخدام عقولهم، واستدعاء
تفكيرهم لكي يعيشوا حياة سليمة ويحققوا أهدافها على الأرض، وفي
ذلك يقول الله تعالى في القرآن الكريم: "قل انظروا ماذا في
السموات والأرض*وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون"؟
ويطلب منهم مزيدا من التعمق في التفكير فيقول: "وفي الأرض آيات
للموقنين*وفي أنفسكم أفلا تبصرون"؟.
إن عصر العلم الراهن الكبير، الذي نعيش فيه أيها السادة، إنما
قام على كشف حقائق الوجود، وتجلية غوامضها، ووضع هذه الحقائق
بمكانها اللائق بها في برامج العمل ومناهج الحياة. ولكل ذي
بصيرة بعد ذلك أن يملأ عينيه من القرآن الكريم كتاب الله
تعالى، والسنة النبوية الشريفة، وأن يجول ببصيرته فيهما، ليجد
أن في القرآن نورا وكتابا مبينا، وفي القرآن علم، وفي القرآن
هداية، وفي القرآن قيم وأخلاق وعقيدة وشريعة، وفيه كل ما يخطر
على بال الإنسان من بيان يشفي الصدور، وقواعد ونظم، للحياة
الدنيا، ولحياة البرزخ بعد الموت، وللآخرة يوم القيامة
والحساب، إنه الإسلام أيها الإخوة، إنه الإسلام الذي بعث الله
به نبيه ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم الذي نحتفل اليوم
بذكرى مولده، وخلاصة ذلك كله أيها الإخوة، تجدونه في قوله
تعالى في القرآن الكريم: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم".
إن العالم اليوم بحاجة إلى بناء أخلاقي يحكم النفس من داخلها،
وسلوكها من خارجها، وقلبها من أعماقه، لتستقيم الحياة
الإنسانية بين الناس على الأرض، وتكون الحياة عليها إنسانية
حقا. وإذا عدنا من جولتنا هذه إلى واقعنا اللبناني وجدنا أن
الشعب اللبناني ينتظر الكثير من الإنجازات الوطنية التي بدأتها
حكومة الوحدة الوطنية.
وفي هذا المجال، نؤكد على ضرورة إجراء الاستحقاقات الوطنية
والدستورية في مواعيدها المقررة، التزاما بالدستور، وانطلاقا
من وثيقة الوفاق الوطني التي أقرت بإجماع اللبنانيين في
الطائف، وقد ارتضوا العبور بوطنهم نحو بناء دولة المؤسسات
والقانون، والأوطان لا تبنى إلا بالتعاون والتضامن والوحدة بين
كافة أبنائها وتطلعات مواطنيها وشعوبها، ولبنان نموذج في العيش
المشترك، لن يبقى مستقرا إلا بحكمة ووعي قادته المخلصين، الذين
يحرصون خصوصا على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين فيه، دون
أي إخلال بهذه المناصفة لأي سبب من الأسباب مهما كان، لأن هذه
المناصفة، هي ضمانة وحدة لبنان، ليبقى لبنان بوحدته وتعايش
أبنائه مثالا في المنطقة العربية، التي نريدها أيضا متحدة
متضامنة متكاملة لمجابهة التحديات الصهيونية الخطرة على لبنان
ووحدته، وعلى المنطقة العربية ونهضتها وتكامل أقطارها.
إننا نعيش اليوم أيها الإخوة، في منطقة تهددها الأطماع،
وتستهدفها المخططات الصهيونية، التي تهدد الأرض والتاريخ
والوجود والمصير، ليس في لبنان فحسب، بل على مساحة العالم
العربي كله، وفي فلسطين العربية بالذات، ومن هذا التهديد
المصيري ما قامت به حكومة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين مؤخرا
بضم الحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم
إلى الآثار اليهودية زورا وبهتانا، وهي لا تزال تمعن في طرد
الفلسطينيين المقدسيين من مدينتهم وتهويد القدس حتى لا يبقى
فيها فلسطيني واحد على طريقة القضم مع مرور الزمن، ولقد أدركنا
منذ زمن بعيد أيها الإخوة، أن كل المؤسسات الدولية لن تعيد
إلينا حقا سلبتنا إياه إسرائيل وهي التي استولت على فلسطين
العربية بالقوة واحتلتها عام 1948 بعد استقدام موجات مكثفة من
يهود العالم إليها، ولذلك ندعو أنفسنا ودولنا العربية وقادتها،
وكافة المنظمات العربية والإسلامية والمسيحية إلى مواجهة هذا
العدوان، والتحرك السريع لوضع حد لهذا العبث اليهودي والصهيوني
في الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية على السواء، قبل فوات
الأوان.
ومن هنا فإننا نناشد الإخوة الفلسطينيين في فلسطين المحتلة،
التلاقي فورا لاستكمال المصالحة بين قياداتهم وحركاتهم
السياسية، لأن العدو الصهيوني هو وحده المستفيد من هذه
الخلافات والنزاعات، ولا يزعمن أحد من المتنازعين اليوم في
فلسطين، أنه أولى من الآخر بفلسطين وبالقضية الفلسطينية، أو
أنه أحرص عليها من أخيه الفلسطيني، وكفانا نزاعات على أرض
فلسطين وبين الفلسطينيين، تسر لها إسرائيل وتشجع عليها، دون
وعي بمخاطر هذا النزاع على الفلسطينيين والقضية الفلسطينية.
وأملنا كبير بوعي القيادات الفلسطينية على الساحة اللبنانية،
أن تحرص على وحدة الفلسطينيين في لبنان حفاظا على أمن
المخيمات، كي لا تتحول المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى منصة
تتقاذفها القوى والمصالح الإقليمية والدولية، وليكن لبنان
منبرا لحمل قضية فلسطين والدفاع عنها والانتصار لها، لا محلا
للصراع عليها بين أبنائها، إنني أشعر أيها الإخوة، بأن هناك
مؤامرة صهيونية تعمل لتحويل المخيمات الفلسطينية إلى مخيم نهر
بارد ثان وثالث ورابع، فانتبهوا أيها الفلسطينيون كي لا
تنزلقوا إلى هذا النفق المظلم، تحت أي عنوان خداع.
أيها الإخوة، إن ذكرى المولد النبوي الشريف لخاتم الأنبياء
والمرسلين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن
تشدنا لنجعل سيرته صلى الله عليه وسلم سلوكا في حياتنا
اليومية، خلقا وأدبا، وصدقا وأمانة، وكلمة طيبة، وتعاونا على
الخير والبر والتقوى، وكل عام وأنتم بخير، والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته".
|