هل تدفع "إيران" بـ "القاعدة" إلى الساحة اللبنانية
لتفجيرها؟
:
طارق نجم
::
في اليوم التالي لـ11 أيلول 2001، كانت أبرز التعليقات
أنّ الإرهاب السني القادم المتمثل بالقاعدة سيجعل من
الإرهاب الشيعي، الذي يشار إليه بإيران وحزب الله،
يبدو كـ”عمل هواة". لجنة التحقيق الأمريكية في أحداث
11 أيلول أكدت في تموز 2004 أنّ من 8 إلى 10 أشخاص من
الـ 14 شخصاً الذين نفذوا العملية سافروا إلى إيران
وخرجوا منها ما بين تشرين الأول 2000 وشباط 2001 حيث
كان من المرجح أنهم وضعوا الخطط وتجهزوا هناك. هذه
العلاقة بين القاعدة وإيران قد تبدو مثيرة للتساؤل في
ظل الخلاف الأيديولوجي المستحكم بين الطرفين. العلاقة
المتأزمة قد عادت إلى الأذهان يوم الأحد الماضي حين
ظهر صالح القرعاوي، أحد أخطر المطلوبين على قائمة
الـ85 السعودية لعناصر "القاعدة"، في شريط مسجل شن
خلاله هجوماً عنيفاً على الجيش اللبناني و"حزب الله"
والقيادات السنية اللبنانية. وقد أتهم القرعاوي جميع
المذكورين "بالدفاع عن أمن إسرائيل وتشكيل عقبة أمام
وصول المجاهدين (أي عناصر القاعدة) إلى شمالي فلسطين
المحتلة".
المواقف التي أطلقها صالح القرعاوي تتماشى إلى حدً
كبير مع سلوك القاعدة سواء من خلال الصواريخ أو
التصريحات التي أطلقتها خصوصاً بعد حرب تموز 2006. لكن
العلاقة بين القاعدة وحزب الله تعتبر إلى حدّ كبير
مثيرة للشكوك. فهل ما يربط التنظيمين هو عداء عقائدي
عميق وفق الدلائل التاريخية أم أنه تقاطع بالمصالح
بحسب ما تشير الكثير من الأدلة الظرفية؟
القرعاوي: الجبهة القادمة للقاعدة ستكون في لبنان "لدك
حصونها" وحزب الله هم حرس لليهود
صالح القرعاوي الذي يفتخر بأنه من قادة كتائب عبدالله
عزام فاته أن يذكّر مستمعيه بعبد الله عزام وعلاقته
بإيران والخميني . ولمن خفي عنه هذا الفصل الذي يؤشر
لبداية العلاقة بين القاعدة وإيران، فإنّ عبدالله عزام
هو من مواليد جنين-فلسطين، إتخذ باكستان كقاعدة خلفية
له للإنطلاق نحو أفغانستان منذ أوائل الثمانينات. وكان
يعتبر إلى حدّ كبير في أوساط الجهاديين، استاذاً
لأسامة بن لادن حيث كان عزام من أوائل العرب الأفغان.
وقد لعب عزام دور المسؤول التنظيمي لأولى قواعد العرب
المجاهدين الذين قصدوا تلك البلاد لقتال الجيش الأحمر
السوفياتي. أعلن عزام عن إعجابه أول الأمر بقيام
الثورة الإيرانية ومدح قائدها الخميني وذلك خلال زيارة
قام بها لطهران، لكنه سرعان ما أنقلب على الخميني
وهاجمه علناً من على منابر المساجد معتبراً إياه خطراً
على فلسطين وعلى الجهاد، وحتى يقال أنه شتمه. ووفق بعض
الضالعين بالشأن الأفغاني وعلى عكس ما هو متعارف عليه
أن السوفيات هم من إغتالوا عزام، فقد زرعت له
المخابرات الإيرانية عبوة ناسفة على الطريق التي تربطت
منزله بالمسجد مما أدى إلى مقتله مع ولديه عام 1989 في
باكستان.
بالعودة إلى حديث القرعاوي، فإن بعض المواقع الجهادية
المرتبط بالقاعدة ومنها "مركز الفجر للإعلام" و"شبكة
التحدي الإسلامي" قامت ببث فحوى المقابلة. فقد قدم
القرعاوي نفسه على أنه "قائد ميداني في كتائب عبدالله
عزام" التي تبنت قصف صواريخ على إسرائيل من لبنان في
27 تشرين الأول الماضي، وأكد فيها سعي القاعدة إلى خطف
أجانب واستهداف المصالح الأمريكية سواء في الجزيرة
العربية أو في الأردن.
ووضع القرعاوي تأسيس "كتائب عبدالله عزام" في إطار
"فتح جبهة خارجية لخرق صفوف العدو من الداخل ودك
حصونها، وقال إن تنظيمه مقسم إلى سرايا، منها سرية
"زياد الجراح" التي قامت بقصف شمال إسرائيل انطلاقاً
من جنوبي لبنان قبل سنة ونصف تقريبا." واضاف أن تنظيم
عزام
موجه ضد "الخونة في لبنان وحزب الله وقوات اليونفيل".
وعن حزب الله، رأى القرعاوي، أنّ الحزب "يعمل بمفهوم
"التقية" فهم في العلن يظهرون عداوتهم لإسرائيل،
ولكنهم في الباطن ما هم إلا حرس لليهود، فهم ينتشرون
على الحدود بقوة ويسيطروا عليها بل إنهم يمنعون الجيش
اللبناني من أن يكون له وجود هناك مع أنه جهة رسمية
مخولة، وأكبر عقبة تواجهنا في العمل على الأرض هي عقبة
الحزب ولا شك، فلا هو قاتل اليهود ولا هو سمح لنا
بالتحرك، بل واستخدم مخابرات الجيش في مطاردة وملاحقة
المجاهدين"، متهماً الحزب بالسيطرة على مخابرات الجيش
على حد قوله. وختم القرعاوي، وهو المطلوب رقم 34 لدى
السلطات السعودية، حديثه برسالة وجهها لأهل فلسطين "أن
لا تغرهم الشعارات الزائفة التي يطلقها حزب حسن نصر
الله والدليل هو بقاء ترسانته المتخومة بالأسلحة كما
هي منذ ما يقارب أربع سنوات دون استخدامها لتخفيف
الحصار عن أهل غزة".
طهران والقاعدة: من عماد مغنية إلى الوثيقة- الفضيحة
لناطق نوري
على الرغم من المنطلقات العقائدية التي تفرق السلفية
الجهادية عن الأمامية الإثني عشرية، فالتقارير
الإستخبراتية تثبت أن تاريخاً طويلاً يجمع حزب الله
والقاعدة يمتد إلى شتى الميادين الأمنية والعسكرية
وحتى التمويلية ويعود لسنين عديدة، كان أيمن الظواهري
وعماد مغنية هما مفتاحيها. فعلى الجانب المالي، أشار
الكاتب الأمريكي المعروف "دوغلاس فرح"، وهو المراسل
السابق للواشنطن بوست والمتخصص بمكافحة الإرهاب
المالي، أن حزب الله قد ساعد القاعدة في تجارة الماس
الأفريقي والذهب المهرب قبل هجمات 11 أيلول بوقت قصير.
وفي المجال الأمني والعسكري فقد أشار كل من دانيال
بنجامين وستيفن سيمون، وهما مستشارين في مجلس الأمن
القومي الأمريكي، في كتابيهما
The Age of Sacred Terror،
أن مجموعة صغيرة من تنظيم القاعدة زارت قواعد تدريب
تابعة لحزب الله في أواسط التسعينات من القرن العشرين.
ووفق المصدر نفسه، فإن علاقة عماد مغنية، القائد
العسكري التاريخي لحزب الله، بتنظيم القاعدة قد بدأت
منذ العام 1993 وفقاً لحارس بن لادن، علي محمد المصري
الذي كان فى القوات الخاصة، وهاجر إلى أميركا فى
الثمانينات وانضم إلى الجيش الأميركي وساعد فى تحقيقات
الـ"أف بي أي". وألقى القبض على المصري فى 1998 بعد
تفجير السفارتين الأميركيتين فى تنزانيا وكينيا ولكنه
نجح في عقد صفقة مع الحكومة الأميركية فى تشرين الأول
2000 وكشف عن علاقة بن لادن بإيران، وقال إنه رتب
للقاء فى السودان بين أسامة بن لادن وعماد مغنية. كما
وفر حزب الله متفجرات وتدريبات للقاعدة بالرغم من ظهور
أيمن الظواهرى على شاشة قناة الجزيرة القطرية ليهاجم
الإيرانيين، ربما كتغطية لعلاقة القاعدة مع إيران.
تفاصيل إضافية عن التعاون بين الطرفين يعود الفضل به
إلى عماد مغنية. فقد نشر الكاتب الأمريكي كينيث
تيمرمان في المجلة المعروفة
Reader's Digest،
تفاصيل إجتماع أيمن الظواهري في أحد المقابر بجنوب
طهران مع مستشار الأمن القومي الإيراني علي أكبر ناطق
نوري والذي خطط له عماد مغنية. ويشير الكاتب أنه في
هذا الإجتماع الذي جرى بتاريخ كانون الثاني 2001 أي
قبل 8 أشهر من هجمات أيلول جرى الإتفاق على إنشاء نوع
من الحلف السري بين القاعدة وإيران ودعا فيه الظواهري
الإيرانيين لتناسي الماضي خصوصاً ذلك الجزء المتعلق
بذبح الدبلوماسيين الإيرانيين في كابول على يد قوات
طالبان. وتفيد المصادر أن ناطق نوري وافق على هذا
الطرح من أجل قتال العدو المشترك: الغرب، الولايات
المتحدة واسرائيل. إجتماعات متلاحقة نظمها مغنية بين
القاعدة وحزب الله وغيره من الجماعات الإسلامية
المتشددة في البوسنة والهرسك لتنظيم القتال ضد
الولايات المتحدة الأمريكية، بحسب ما ذكرت صحيفة
البرافدا الروسية بتاريخ 9 تشرين الأول 2002.
أجهزة الإستخبارات الأمريكية كشفت عن صورة وثيقة تؤكد
مدى عمق العلاقة بين إيران والقاعدة. فنظام الملالي
كان يعمل على تعزيز حركة طالبان النشطة في افغانستان
لشن المزيد من الهجمات ضد الولايات المتحدة. وقد جاء
في االوثيقة المؤرخة بتاريخ 14 أيار 2001 والموجهة من
رئاسة المخابرات الإيرانية (اطلاعات) إلى مدير إدارة
العمليات 43، يبلغه فيها بتوجيهات الخامنئي، حيث تحصر
الرسالة العلاقة بين إيران والقاعدة، بعماد مغنية
ممثلاً لإيران وأيمن الظواهري ممثلاً للقاعدة. حيث
تدعو الرسالة إلى "وضع جانباً خلافاتنا الأيديولوجية
مع توسيع التنسيق مع شبكة القاعدة وحزب الله لتحقيق
هدفنا المشترك".
اما اليوم فمن المعروف أن إيران أعطت أسلحة لطالبان
والقاعدة، حيث وصفهم أحد الصحافيين "إنهم ينامون مع
الشيطان لخدمة أهدافهم بشن هجمات ضد أميركا". وقد نقلت
صحيفة الصنداي تايمز اللندنية أن قادة طالبان صرحوا
على العلن أنّ مئات العناصر الأفغان قد تلقوا تدريبات
مكثفة عل يد الحرس الثوري الإيراني حول أساليب زرع
القنابل الموقوتة على جانبي الطريق من أجل قتال حلف
شمال الأطلسي والأمريكيين.
صالح القرعاوي يستقر ويتزوج في إيران ويدعو لقتال حزب
الله
ما يزيد من الشكوك حول حقيقة العلاقة بين القاعدة من
جهة وايران وحزب الله من جهة أخرى، هي المعلومات التي
تحدثت عن وجود القرعاوي نفسه في الجمهورية الإسلامية.
فمنذ بضعة أعوام، أطلقت المملكة العربية السعودية ما
عرف بـ"حملة السكينة" التي تستهدف إستيعاب وتصحيح سلوك
من غرر بهم من السعوديين وتبنوا الفكر التكفيري
للقاعدة. وقد أورد المسؤول الإعلامي في الحملة خالد
المشوح بتاريخ 13 شباط 2009 معلومة جديرة بالتوقف
عندها. فقد أعلن المشوح لصحيفة الحياة أنّ صالح
القرعاوي تزوج في إيران من ابنة احد القادة الميدانيين
للقاعدة (محمد خليل الحكايمه)، مما يشير إلى "عزمه
الاستقرار شبه المعلن هناك، والاضطلاع بأدوار أكبر في
المستقبل". وأضاف المشوح أنّ "قيام صالح، بإصدار
بطاقات أحوال مزورة لمجموعة من المطلوبين في القائمة
ليس بالأمر السهل والهين، فذلك تم التمهيد له منذ
فترات طويلة، وهو لم يخطط لنفسه فقط، بل أصبح يخطط
لمجموعات أخرى بالطريقة والفكرة نفسها التي خطط لنفسه،
وتلك ثقة عالية كان يتمتع بها، وقدرة عالية حصل عليها
من خلال قدرته على الاتصال بقيادات التنظيم في الخارج،
خصوصاً أن ليس من السهل تزوير مثل هذه الأمور في
الداخل".
لطالما إستشهد أسامة بن لادن وأيمن الظواهري بعبارات
وفتاوى تعود لإبن تيمية وسيد قطب، وهما يدعوان
المسلمين لقتال أعداء الأمة والأنظمة الحاكمة التي
تعيش عيشة الجاهلية. القاعدة، قد وضعت لنفسها أهداف
بحجم العالم ولطالما دعت لجهاد عالمي ضد الولايات
المتحدة والغرب، حيث ساعدها كونها تنظيم سني على
التغلغل بالعديد من المجتمعات المسلمة السنية غير
العربية. أما حزب الله، فهو الحزب الشيعي الذي إرتبط
بحيثيات محلية وأقليمية فرضت عليه في كثير من الأحيان
ولا زالت، أن يتواضع في أهدافه وشعاراته التي لم تكن
لتتجاوز على الأقل علناً لبنان وفلسطين ودول الجوار
خصوصاً بعد ضمور فكرة تصدير الثورة. هذا الواقع قد دفع
ربما بحزب الولي الفقيه إلى وضع يده في يد تنظيم أكثر
وضوحاً في عرض أفكاره المتطرفة والتي لا تقل تطرفاً عن
حزب الله. في هذا الإطار، لا زال من الصعب تناسي دعوة
أمين عام الحزب لإعتبار مخيم نهر البارد خطاً أحمر على
الرغم من أنه معقل لتنظيم مرتبط بالقاعدة.
بما أنّ الكثير من العناصر الفلسطينية من عصبة الأنصار
وجند الشام في المخيمات، وعناصر لبنانية تنتمي لفكر
القاعدة وللتنظيم، قد تدربت في العراق أو خاضت جزءا من
معارك نهر البارد، فإنّ جملة من الأسئلة البديهية التي
تطرح نفسها تبرز إلى الواجهة: أولاً، هل يمكن للقرعاوي
التخطيط والتنفيذ والإستقرار والزواج داخل إيران من
دون علم الإستخبارات الإيرانية؟ ثانياً، ما هي إمكانات
القرعاوي بالوصول إلى جنوب لبنان من إيران من دون
معونة حزب الله خصوصاً أنه إعترف بأنّ الإمكانات
المتوفرة لدى القاعدة حالياً هي غير كافية؟ ثم، لصالح
من يقوم القرعاوي بإطلاق هذه التصريحات المستفزة سواء
للشيعة أو للسنة؟ وأخيراً، هل من المحتمل أن يعمد حزب
الله إلى إشعال جبهة لبنان مع اسرائيل بعد أن يدفع
بالقاعدة إلى إطلاق الصواريخ أو القيام بعملية مشبوهة
ضد الإسرائليين؟
14 آذار
8-4-2010